محطات ومواقف – خط الموردة

إبراهيم فتح الرحمن سمباي
ركبنا بص الفورد العتيق، المتجه إلى خط الموردة. انطلق بنا عبر شارع السوق الرئيسي متجهاً جنوباً ، كان نادي الشبيبة على يميننا، بينما اصطفت على اليسار مباني العيادات الطبية والصيدليات. مررنا بمحاذاة نادي المريخ، ثم مركز الشباب، وبعده المدرسة الإنجيلية حتى بلغنا محطة الصينية، وهناك كان الكمساري يطلق نداءه المألوف الذي ما زال صداه يرن في الذاكرة:
الصينية… يااا… في حد نازل؟
وعند تقاطع شارع السوق مع شارع كسلا ينحرف البص شرقاً، متجاوزاً شارع المأذون، ليبدأ فصل جديد من الرحلة.
كانت معظم البصات من ماركة فورد، وتحمل لوحة صغيرة كُتب على أحد وجهيها الموردة، وعلى الوجه الآخر المستشفى الداخلة. فإذا كانت الرحلة متجهة إلى الموردة ظهرت تلك الجهة، وإذا عاد البص إلى خط المستشفى قُلِبت اللوحة لتعلن وجهته الجديدة، في نظام بسيط ودقيق سبق اللوحات الإلكترونية بسنوات طويلة.
ويواصل البص سيره شرقاً في شارع كسلا، وبعد تجاوز أربعة شوارع يظهر على اليمين شارع يتجه جنوباً، وفي ناحيته الشمالية يقع منزل القابلة الشهيرة حليمة ماضي، التي حملت المحطة اسمها ،حتى أصبحت واحدة من أشهر محطات الحي وأكثرها حضوراً في ذاكرة الأهالي، وذلك لما عُرفت به من إنسانية ورحمة وكرم، فقد كانت تراعي أحوال النساء اللاتي تتولى توليدهن، وتخفف عنهن أعباء الولادة بما تقدمه لهن من عون ومساعدة ، وتكرمهم بالسمن والدقيق والحلويات ، فتقف إلى جانبهن في لحظة هي من أصعب لحظات الحياة. وهكذا بقي اسمها خالداً على إسم المحطة، وعلى خارطة المدينة.
ومن محطة حليمة ماضي كان البص يسلك أحد مسارين، يحددهما السائق قبل التحرك. وكنا، ونحن صغار، نتخيل خطوط سير البصات وكأنها رقعة لعبة ليدو أو السلم والثعبان حيث يسلك فيهما اللاعب مسارات بخيارات متعددة، وكذلك كانت مسارات بصات خط الموردة ، مرة عبر محطة قرشي جنوباً، ومرة عبر محطة الحاج عبدالله شرقاً، ولكل طريق حكاية.
ويروي لنا الأخ الصديق كمال إبن العم علي المأذن، أحد رموز سوق عطبرة، والذي بذل جهداً كبيراً في التعريف بأسماء أصحاب محطات خط الموردة ، أن محطة قرشي سُمّيت تخليداً لذكرى قرشي الطيب، أحد شهداء أحداث الجمعية التشريعية عام 1948م حسب ما أكده له أعلام من حي الموردة ومنهم الحاج باب الله والأخ عبدالله صحة .
أما الحاج عبدالله، والد الصحفي الرياضي الكبير عبدالمنعم عبدالله شجرابي، كان محطة وعلماً من أعلام الحي. أقام أمام منزله، برفقة الشيخ عثمان عدنان وجيرانهم ، مجتمعاً صغيراً نابضاً بالمودة والتكافل على جانبي شارع كسلا.
كان يقيم الصلاة أمام منزله، فيفرش البروش، ويهيئ ماء الوضوء للمصلين، وذلك قبل تشييد مسجد المطبعجي في الميدان الواقع شرق منزله مباشرة. كما كان يغسل الموتى ويكفنهم ابتغاءً للأجر، حتى وفاته في أوائل سبعينيات القرن الماضي، ليتولى هذه المهمة النبيلة بعده جاره العم كامل درويش وشقيقه العم مصطفي درويش .
وفي المسار الشرقي يواصل البص رحلته إلى محطة القلعة، التي أخذت اسمها من حي القلعة، ومنها يتجه جنوباً حتى يصل إلى سوق حي الطليح، آخر محطات هذا الطريق.
أما المسار الآخر فينطلق جنوباً من محطة حليمة ماضي عند مدخل حي الموردة، حيث تأتي محطة قرشي، ثم محطة سوق الموردة، الواقعة بين مسجد عاشور من الجهة اليمنى والمحلات التجارية من الجهة اليسرى.
وبعد ثلاثة شوارع تظهر محطة بت الجيلي، المقابلة لزاوية مرغني عبيد من الناحية الشمالية.
ويروي لنا الأخ الصديق كمال الماذن ، أن بت الجيلي امرأة اشتهرت بالشهامة والكرم، وهي في الأصل من منطقة الجيلي. وكانت شريكة في شركة فودة للباصات الأهلية، وهي أول شركة أهلية استجلبت بصات الفولكسواجن للعمل في خطي الموردة والمستشفى، فاستحقت أن يبقى اسمها حياً على إحدى أشهر محطات المدينة.
ثم يواصل البص سيره شرقاً إلى محطة الميزان، الواقعة بعد بت الجيلي بثلاثة شوارع، أي عند الشارع الرابع قبل الجسر الفاصل بين الموردة شرق والموردة غرب.
ولسنوات طويلة اعتقد كثيرون أن اسم المحطة مرتبط بميزان تُوزن عليه أخشاب نهر عطبرة أيام الفيضان، لكن الأستاذ كمال علي المأذن نقل عن العم عبدالخير الزبير ، أحد أقدم سكان الموردة، أن الميزان لم يكن ميزاناً، وإنما اسم رجل ضخم البنية، أحمر اللون، كان يعمل شاويشاً بالشرطة، يتمتع بهيبة وحضور كبيرين بين أهل الحي، فغلب اسمه على المكان.
ومن هناك يصل البص إلى محطة الملجأ بعد ثلاثة شوارع، حيث كان يقع ملجأ العجزة على يسار الطريق، وهو الملجأ الذي توقف عن استقبال النزلاء في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وبعد ثلاثة شوارع أخرى، وفي الشارع الرابع الكبير، تأتي محطة الدومة في الموردة شرق، وقد حملت اسمها من تلك الدومة الكبيرة الوارفة، ذات الجذور العميقة، التي كانت معلماً بارزاً من معالم الحي وملتقى لأهله.
وأخيراً يصل البص إلى محطة الطليح، بعد صالة الأمل وفرن علي الطليح، لتكتمل رحلة ظلت راسخة في وجدان أهل عطبرة، تربط بين البيوت والأسواق والمساجد، وتحمل في كل محطة قصة، وفي كل منعطف ذكرى، وفي كل اسم سيرة إنسان ترك أثراً طيباً، فخلده الناس بإطلاق اسمه على محطة من محطات المدينة.
خالص الشكر والتقدير للأخ كمال علي المأذن، وللأخ الصديق أستاذنا ياسر إبن شيخنا عبدالعزيز محمد خير، على ما قدماه من معلومات قيمة أسهمت في توثيق أسماء أصحاب المحطات ومواقعها، حفاظاً على جزء جميل من ذاكرة عطبرة وتاريخها الاجتماعي.