حوار – نازك العاقب
عطبرة: مدينةٌ لم تُبنَ من طين، بل من صدى صافرات القطارات وعرق العمال. بين جدران ورشها العتيقة، كان هناك رجلٌ يحمل حلماً أكبر من مجرد (خردة) مهملة؛ أراد أن يحبس الزمان داخل متحف. في هذا الحوار، نلتقي بالأستاذ مصطفى فضل، الرجل الذي خاض معركة “الوثائق والحديد” ليبقى تاريخ السودان محفوراً على قضبان الذاكرة.
البدايات: طفولة في كنف القاطرات
أستاذ مصطفى، دائماً ما تبدأ العظمة من لحظة إدراك. ما هي اللحظة الفارقة التي جعلتك تقرر تحوي (مخازن السكة الحديد) إلى صرحٍ متحفيٍ منظم؟
لم يكن قراراً مفاجئاً، بل كان قدراً. أنا ابن هذه القضبان؛ والدي كان مهندساً في السكة الحديد، وكنت ظله الذي لا يفارقه في الورش والمحطات. منذ نعومة أظفاري، لم تكن القطارات بالنسبة لي مجرد آلات صماء، بل كائنات حية لها تاريخ وقيمة. كنت أنظر إلى كل قطعة حديد صدئة كأنها جوهرة مفقودة، وهذا العشق هو الذي دفعني لاحقاً لتحويل تلك المقتنيات من (منسيات) في المخازن إلى شواهد حية يزورها الناس.
يصف الكثيرون السكة الحديد بأنها (الحمض النووي) لعطبرة. كيف استطاع المتحف تجسيد نضالات العمال وتاريخهم، ولم يكتفِ بعرض الآلات؟
عطبرة هي المدينة التي صنعها العمال. في عام 1906، كانت مجرد قرية صغيرة تسمى “الداخلة”، وبفضل السكة الحديد ولدت عطبرة وسواكن وكوستي. المتحف ليس معرضاً للمحركات، بل هو سجل لنضال الإنسان السوداني. العمال هم من بنوا هذه المدينة، وهم أيضاً من بنوا هذا المتحف؛ لقد وهبوني مقتنياتهم الشخصية، ملابس عملهم، ساعاتهم، وأدواتهم اليدوية. لولا إيمان العامل العطبراوي بقيمته التاريخية، لما وقف هذا المتحف على قدميه اليوم.
من ضباب لندن إلى وهج عطبرة
يقال إن شرارة الفكرة ولدت بعيداً عن السودان، تحديداً في بريطانيا. كيف نضج الحلم هناك؟
هذا صحيح. في عام 1980، غادرت في بعثة حكومية إلى بريطانيا. هناك، قضيت عطلات نهاية الأسبوع في التجول بين متاحفهم العريقة. كنت أتساءل بمرارة: “لماذا لا نملك نحن مثل هذا التوثيق؟”. من هناك بدأت في رسم المخطط وتطوير الفكرة، لكن الواقع كان مريراً؛ فبين الفكرة (1980) والتنفيذ (2003) فجوة زمنية طويلة ضاع فيها الكثير.
ذكرت بأسى أن 90% من القاطرات التاريخية تحولت إلى “خردة”. ما الذي تبقّى من تلك الأساطير الحديدية؟
مصطفى: (يتنهد) تلك هي الخسارة التي لا تُعوض. كنت أحلم بمتحف عالمي يضم أساطيل القاطرات البخارية والديزل، لكن يد الإهمال كانت أسرع. ومع ذلك، استطعنا إنقاذ “الدرة التاج”: القاطرة التي قادت حملة غزو السودان عام 1873، والتي جلبها الخديوي إسماعيل. هي القطعة الوحيدة المتبقية من ذلك الطراز، وهو نفس البابور الذي قادرة. كتنشر لغزو السودان “بابور كتشنر” وبوابة الملكة فكتوريا، وهي واحدة من خمس بوابات نادرة في العالم أجمع. واحدة في بريطانيا والقصر الجمهوري وبوابة في سكة حديد مصر وواحدة موجودة في الهند
معارك إدارية.. المتحف باقٍ في أرضه
مر المتحف بفترات إغلاق عصيبة بين 2005 و2011. لماذا رُفضت فكرة نقله للخرطوم؟
المتحف وعطبرة جسد واحد، ونقله للخرطوم كان يعني “اقتلاع الروح”. خضت معركة صلبة لبقائه هنا. وعندما عُيّن المهندس مكاوي محمد عوض مديراً عاماً، اشترطت للعودة ثلاثة شروط: أن يبقى المتحف في عطبرة، وأن تعود “قاطرة الحملة” إلى موطنها، وأن أرتبط به مباشرةً لتنفيذ الرؤية. والحمد لله، تحقق ذلك وأُعيد الافتتاح في 2011.
كم تبلغ نسبة ما يُعرض الآن من كنوز السكة الحديد؟
: ما يراه الزائر حالياً لا يتجاوز 40% من مقتنياتنا. لدينا أكثر من 60% من الكنوز والوثائق التي تؤرخ للتحول من البخار إلى الديزل وملفات مجالس الحكم العام لا تزال في المخازن، بانتظار مساحات عرض تليق بها.
رؤية للمستقبل: نحو العالمية الرقمية
كيف يتفاعل “جيل الآيباد” مع تاريخ “البخار والحديد” عند زيارة المتحف؟
هي اللحظة الأكثر إمتاعاً في عملي. عندما أرى أطفال الرياض وطلاب المدارس ينبهرون بقاطرات لم يروها تتحرك في واقعهم، أشعر أن الرسالة وصلت. نحن نزرع فيهم هوية بلدهم. المتحف اليوم ليس محلياً فقط، بل يؤمه سفراء وشركات سياحة ألمانية وبريطانية، مما يجعله منصة سياحية عالمية على أرض السودان.
هل لديكم خطط لمواكبة التحول الرقمي؟
طموحنا هو “المتحف الافتراضي”. نحلم بصالات عرض إلكترونية تتيح لأي شخص في العالم، بضغطة زر، أن يتجول في أروقة تاريخ سكة حديد السودان بكل اللغات. نحن لا نريد الانغلاق على أنفسنا، بل الانطلاق للعالمية.
رسالة إلى المستقبل
لو طُلب منك وضع رسالة في “كبسولة زمنية” تُفتح بعد 100 عام، ماذا ستكتب؟
سأكتب بصدق: “يا أبناء المستقبل، هذه أمانتي لكم. كل ما حلمت به ولم يسعفني العمر أو الإمكانات لتحقيقه، هو الآن بين أيديكم. لقد حفظت لكم التاريخ من الضياع، فاحفظوا أنتم هذا الإرث، وطوّروه ليكون أكثر حداثة وعالمية. تذكروا دائماً أن تاريخ السكة الحديد هو العمود الفقري لتاريخ السودان الحديث”.
الخاتمة:
يغادرنا الأستاذ مصطفى فضل، لكنه لا يغادر محرابه؛ فهو لا يزال حتى اليوم المشرف والحارس الأمين، يقف شامخاً بين قاطراته، يحرس ذاكرة “الحديد والنار” من النسيان.
عطبرة نيوز تصدر من محلية عطبرة
