الحج.. رحلة العمر التي تولد فيها من جديد

حواف ناعمة
نازك يوسف

​بين لبيك اللهم لبيك، وزحام القلوب المشتاقة، تكتسي الأرض بياضاً، وتتحد اللغات في نداء واحد. ليس الحج مجرد شعيرة دينية تؤدى، بل هو (الميلادالثاني) للإنسان؛ حين يترك خلفه ضجيج الدنيا، وجاه المناصب، وزينة الثياب، ليقف أمام خالقه مجرداً إلا من إيمانه، ملتحفاً بقطعتين من القماش تساوي بين الملك والمملوك.
​تبدأ حكاية الحج من “دمعة” شوق تسيل في جوف الليل، ودعاء يرتجف به الصوت: (اللهم ارزقني زيارة بيتك). وعندما يأذن الله، تتحول تلك النية إلى واقع ملموس. يودع الحاج أهله بقلب معلق بالسماء، ويمضي نحو مكة المكرمة، تلك البقعة التي تهوي إليها الأفئدة قبل الأجساد.
​بمجرد أن يلامس بصر الحاج الكعبة المشرفة، يدرك أن كل عناء الطريق قد تلاشى. هناك، في حضرة
(البيت العتيق)، تسقط الهموم، وتصغر الدنيا في الأعين، ويصبح المرء في ضيافة الرحمن.
​الحج هو رحلة التنقل بين محطات الروح:​الطواف: دوران القلوب حول مركز النور، حيث تذوب الأنا وتتلاشى الفوارق.
​عرفة: الوقوف المهيب، حيث “الحج عرفة”. هناك، تحت شمس المغفرة، تُسكب العبرات وتُفتح أبواب السماء لسيل من الدعوات والآمال.
​مزدلفة ومنى: ليل الهدوء، ورمي الجمرات الذي يرمز لرفض الشيطان والشرور، ومبايعة النفس على حياة جديدة أنقى وأجمل.
​ليس مجرد سفر.. بل هو التغيير
​يخطئ من يظن أن الحج ينتهي بخلع ملابس الإحرام؛ فالحج الحقيقي يبدأ حين يعود “الحاج” إلى وطنه. يعود بروح مختلفة، بقلب أكثر اتساعاً، وبنظرة للحياة يسودها التسامح والمحبة.
​إنه المؤتمر العالمي الأكبر، حيث يجتمع الملايين في مكان واحد، وزمان واحد، وغاية واحدة، ليؤكدوا للعالم أن الوحدة الإنسانية ممكنة تحت ظلال الإيمان.
​(من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه.)
— نبض هذه الرحلة يكمن في النقاء الذي يغلف الروح بعد العودة.
​إن كانت الأقدام لم تسعف البعض هذا العام، فإن القلوب طوافة. فالحج هو نداء الله لكل من استطاع إليه سبيلاً، وهي دعوة مفتوحة لكل باحث عن (نفسه القديمة) ليغسلها بزمزم التوبة، ويعود طاهراً كغيمة بيضاء في سماء الطهر.
​هنيئاً لمن لبا، وهنيئاً لمن نوى، وعقبال كل مشتاق!