منصور.. 40 عاماً في حضرة الفسيخ

​دردشة – نازك يوسف
​في قلب سوق عطبرة العتيق، حيث تتداخل الروائح والذكريات، يقف منصور محمد سيد كأحد الشواهد الحية على تاريخ التجارة في هذه المدينة. ليس مجرد بائع عادي، بل هو “شيخ كار” وأقدم من تبقى من جيل العمالقة في تجارة الفسيخ.
​قصدناه في “جلسته” لنبحر معه في تفاصيل هذه المهنة التي لم تعد مجرد تجارة، بل ثقافة غذائية ارتبطت بوجدان أهل السودان.
​رحلة الأربعين عاماً: البداية من “نبع الأمومة”
​• حضرتك تعتبر من أقدم المعالم في سوق عطبرة، كيف بدأت هذه الرحلة؟ وكيف كان شكل السوق في تلك الحقبة؟
​بدأت مشواري وأنا شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، واليوم أكملت في سوق الفسيخ 40 عاماً. أنا حالياً أقدم بائع فسيخ في عطبرة قاطبة؛ فكل الزملاء الذين بدأوا معي هذه الرحلة رحلوا عن دنيانا، لهم الرحمة والمغفرة. زمان كان السوق يضج بأسماء لها وزنها، أذكر منهم “زكي عبد الغني” في السوق القديم، وهاشم محمد خير، وعبد الله الفكي، ومحجوب.. هؤلاء كانت دكاكينهم في “الحلة”، وأيضاً “كامل القبطي” جوار بنك السودان، لكنني كنت ولا زلت الوحيد المرابط وسط السوق.
​• لكل مهنة “أساطين” يورثون سرها، من هو معلمك الأول؟
​(يبتسم): معلمي الأول كانت “أمي” . كانت تصنع الفسيخ في المنزل بمهارة فائقة، وتتلمذت أنا على يديها وتشربت منها (سر الصنعة). أنا من نقلت خبرتها من حدود البيت إلى رحاب السوق، وطورت ما تعلمته منها ليصبح مهنة العمر.
​أسرار “الخِمرة” والجودة
​• ما الذي تغير في (زفة الفسيخ) وطقوس صنعه بين الأمس واليوم؟
​التغيير كبير وللأسف ليس دائماً للأفضل. قديماً كان الصبر هو أساس الجودة؛ نترك الفسيخ ليأخذ وقته الكافي في التمليح حتى “يستوي” تماماً، فتخرج رائحته طيبة وشهية. أما اليوم، فالاستعجال سيد الموقف، والبعض يبيعه وهو مجرد “سمك مملح” لم ينضج بعد. السر دائماً في الوقت؛ فكلما أخذ الفسيخ وقته في التمليح، أصبح أجمل ورائحته أزكى.​• يجمع الكثيرون على أن لفسيخ عطبرة نكهة خاصة، هل السر في نوع السمك أم في يد الصانع؟
​التميز يأتي من نوع السمك، فنحن نعتمد على (الكوارة والكأس)، وهما الأفضل للفسيخ. في مناطق أخرى مثل “كوستي” يستخدمون “الدبسة”، وهي صعبة النضج وطعمها يختلف تماماً عما ننتجه هنا في الشمال.
​• بصفتك خبيراً، كيف يعرف الزبون الفسيخة الممتازة بمجرد النظر؟
​العين الخبيرة تعرفها فوراً؛ الفسيخة الممتازة هي التي يميل لونها إلى “الاصفرار” الواضح، فهذا دليل نضجها وتمليحها الصحيح.
​تحديات المناخ و”الفسيخ المفروم”
​• عطبرة معروفة بحرارتها العالية، كيف تواجهون تحديات التخزين؟
​الحرارة عدو الجودة إذا لم يكن العمل متقناً، لكن إذا تمت عملية التمليح بطريقة صحيحة وبمقادير دقيقة، فإن الفسيخ يكتسب مناعة طبيعية تمكنه من تحمل حرارة الجو القاسية دون أن يفسد.
​• هل هناك زبائن يطلبون “فسيخ عطبرة” بالاسم من خارج الولاية أو خارج البلاد؟
​الطلب لا يتوقف، خاصة بعد أن أدخلنا فكرة “الفسيخ المفروم” الجاهز، وهذا سهل الشحن كثيراً. تصلنا طلبات من كافة ولايات السودان، ولدينا زبائن دائمون في السعودية، مصر، قطر، ودول الخليج، يحرصون على أخذ “مونتهم” من هنا.
​الثقافة والجيل الجديد
​• ارتبط الفسيخ بالموائد الاحتفالية، كيف تستعدون للمواسم الكبرى؟
​عيد الفطر هو “الموسم الذهبي”. بعد صيام رمضان يزداد الشوق للأكلات المالحة، ولأن السمك الطازج يرتفع سعره جداً، تتوجه عطبرة كلها نحو الفسيخ. نحن نستعد قبل العيد بفترة طويلة لنغطي هذا الطلب الهائل.
​• مع انتشار “الوجبات السريعة”، هل ما زال الشباب يقبلون على الفسيخ؟
​المدهش أن الجيل الجديد يقبل على الفسيخ أكثر من الأجيال السابقة! والدليل هو انتشار محلات الفسيخ في الأسواق اليوم بكثافة أكبر مما كانت عليه قبل عقود. الفسيخ وجبة عابرة للأجيال.
​• ما هي “النصيحة الذهبية” التي يقدمها العم منصور لربة المنزل لتحضير طبق مثالي؟
​السر في الغسيل الجيد أولاً لضبط ملوحته، ثم يطبخ مع البصل المحمر والطماطم والبهارات، ويُقدم بالهناء والشفاء.
​رسائل للمستقبل والمسؤولين
​• هل نجحت في توريث هذه الحرفة لأبنائك؟ وهل تخشى عليها من الاندثار؟
​إن شاء الله سيتعلمها أبنائي. لا أخشى عليها أبداً، فهي مهنة لها (روادها) وعشاقها، وهي من المهن المحافظة التي تزداد رسوخاً مع الزمن.
​• لو أتيحت لك منصة لتوجيه رسالة للمسؤولين عن سوق عطبرة، ماذا تقول؟
​طلبي الأول هو تنظيم السوق؛ سوق السمك حالياً بعيد جداً عن وسط المدينة، مما يكبد المواطن مشقة وتكاليف مواصلات إضافية. نطالب بتوفير مساحة داخل السوق الرئيسي تجمع كل تجار الأسماك والفسيخ في مكان واحد تخفيفاً عن كاهل المواطن.
​• كلمة أخيرة تود ختم هذا الحوار بها؟
​أوجه رسالة عاجلة للمسؤولين بخصوص قرار منع الصيد في “حلفا القديمة” خلال شهري يناير وفبراير بحجة موسم التكاثر، وفرض غرامات تصل لـ 5 ملايين. أرى أن هذا القرار يحتاج لمراجعة، فالحقيقة أننا لا نستفيد من هذا المنع، لأن الأسماك تهاجر لدول الجوار وتُصاد هناك. أناشد المسؤولين بالسماح بالصيد طوال العام ليستفيد أبناء الوطن أولاً من خيرات بلادهم.