مدير أراضي محلية عطبرة يعلن عن خطة طموحة لتخطيط القرى وحسم التعديات

حوار – نازك يوسف

بين عراقة السكة حديد وهدير قاطراتها، وضجيج التوسع العمراني المتسارع، تقف مدينة عطبرة اليوم أمام تحدٍ تاريخي لرسم خارطة مستقبلها. هي ليست مجرد مدينة للحديد والنار، بل باتت ملاذاً آمناً ومركزاً اقتصادياً استراتيجياً يربط شرق السودان بشماله وعاصمته. وفي ظل هذا الضغط الديموغرافي والنمو المتزايد، كان لا بد لنا من الوقوف على مطبخ القرار في مكتب أراضي محلية عطبرة، لنكشف ملامح الخطة الإسكانية الكبرى، ومستقبل الاستثمار، وكيف تُدار ملفات الأراضي في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد.
​ جلسنا مع الأستاذ صلاح الأمين النور، مدير أراضي محلية عطبرة؛ الرجل الذي يحمل على عاتقه ملفاً شائكاً يجمع بين إرث الماضي وتطلعات المستقبل. في هذا الحوار، يفتح “صلاح الأمين” قلبه ليتحدث عن مشروعات التخطيط الجديدة، معالجة السكن العشوائي، وكيفية مواجهة التحديات التي تواجه مكاتب الأراضي في ظل الظروف الراهنة.. إلى تفاصيل الحوار:
حوار :نازك يوسف
​محور الخطط الإسكانية: 23 ألف مستحق على أعتاب الحلم
تشهد مدينة عطبرة توسعاً عمرانياً غير مسبوق، ما هي ملامح خطتكم لاستيعاب هذا النمو وتوفير مخططات سكنية جديدة؟
​أهلاً بكم في مكتب أراضي محلية عطبرة. نحن ندرك تماماً أن المدينة في حاجة ماسة لخطة إسكانية تواكب هذا الزخم. حالياً، قطعنا شوطاً كبيراً في تنفيذ الخطة الإسكانية (2012-2021). لقد مررنا بمراحل الكشوفات المبدئية، الاستئنافات، والطعون، وصولاً إلى الكشوفات النهائية.
​أبشر المواطنين بأن الخطة العامة وصلت الآن لمرحلة أداء القسم وسحب القرعة، بينما بلغت الخطة الفئوية للعاملين بالدولة مراحلها الأخيرة. نحن نتحدث عن قرابة 23 ألف مستحق، وقد شكلنا لجنة متخصصة لنزع وتسوية الأراضي وتحويل غرضها من زراعي إلى سكني، ونستهدف التنفيذ الكامل لهذه الخطة خلال عام 2026 وبداية 2027، لتشمل كافة قطاعات الدولة والمواطنين.
​أزمة الخدمات: تنسيق عالي المستوى لتجاوز العقبات
يشتكي الكثيرون من تأخر وصول المياه والكهرباء للمخططات الجديدة، كيف تنسقون مع الجهات الأخرى لضمان عدم تحول هذه المخططات إلى “مدن شبح”؟
​ هناك تكامل واضح في الأدوار؛ فمهمة الأراضي هي التوزيع والتقسيم واستخراج العقود، بينما تتولى مصلحة المساحة التخطيط والمسح. أما بخصوص الخدمات، فهناك تنسيق رفيع المستوى؛ في ملف الكهرباء يتم التنسيق بين الولاية والمركز، وفي ملف المياه هناك تعاون مباشر مع السلطات الولائية والمحلية. نحن لا نوزع “أرضاً” فحسب، بل ننسق لتوفير “حياة” كريمة للمواطن.
​البناء الرأسي: ثورة معمارية لمواجهة ندرة االأراض
هل انتهى عصر البناء التقليدي في عطبرة؟ وأين وصل مشروع السكن الرأسي؟
​التوجه الآن نحو البناء الرأسي هو خيار استراتيجي لوزارة البنية التحتية، خاصة في عطبرة حيث المساحات المتاحة بدأت تتقلص. البناء الرأسي ليس ترفاً، بل هو وسيلة لتقليل تكلفة الخدمات وتوفير المساحات للاستخدامات الأخرى. نؤمن بأن المستقبل في المدينة سيكون للارتفاع، ونحن نشجع هذا النمط لمواجهة الندرة وضمان استدامة التوسع.
​الثورة الإدارية: 20 دقيقة لإنجاز المعاملة
ما هي الإجراءات التي اتخذتموها لتبسيط عمليات التسجيل والتحويل وتقليل البيروقراطية؟
نحن فخورون بأننا أول مكتب في ولاية نهر النيل يعمل بنظام “الإيصال الإلكتروني”، والثاني على مستوى الولاية بعد الشؤون الاقتصادية. بفضل نظام “التيم وير” والانسجام التام بين الأقسام (مفتشين، حسابات، كتبة)، استطعنا تقليص الدورة المستندية لتصبح ما بين 15 إلى 20 دقيقة فقط. نحن نعمل بروح الفريق لنراعي ظروف المواطن ونقدم له خدمة تليق به.
​الحزم مع المخالفات ورقمنة الأرشيف
التعديات والسكن العشوائي (مثل حي طراوة) تشوه وجه المدينة، كيف تتعاملون مع هذا الملف؟
​لدينا إدارة مختصة بإزالة المخالفات والتشوهات البصرية، تعمل بتنسيق كامل مع محلية عطبرة والأجهزة الأمنية. بدأنا بالفعل في إزالة الأحياء العشوائية والتشوهات في الشوارع الرئيسية، وهدفنا هو تطهير المدينة من كل هذه المظاهر في القريب االعاجل
وماذا عن حماية وثائق المواطنين من التلاعب أو التلف؟
​ نحن نعمل على مسارين؛ الأول هو الأرشيف الورقي المحصن والمؤمن، والمسار الثاني وهو الطموح الأكبر: الرقمنة الكاملة. نحن بصدد إنشاء أرشيف إلكتروني ورفعه على “سحابة جوجل” لضمان حفظ حقوق المواطنين ومنع النزاعات للأبد، مما يسهم في استقرار النسيج الاجتماعي.
​الاستثمار والحقوق التاريخية: معادلة متوازنة
​ عطبرة مدينة استراتيجية (سكة حديد وطرق قومية)، ما هي الفرص المتاحة للمستثمرين؟ وكيف تحفظون حقوق السكان المحليين؟
​ الفرص الاستثمارية ضخمة، خاصة في “مدينة أم الطيور الصناعية”. نحن نعمل عبر “مفوضية الأراضي” لتبسيط الإجراءات وجذب المستثمرين. أما عن حقوق الأهالي، فالقانون يحميهم؛ حيث تخصص 25% من الأراضي الاستثمارية لأصحاب الحقوق التاريخية، كما يُلزم المستثمر بتوفير فرص عمل لأبناء المنطقة وتفعيل المسؤولية الاجتماعية.
​تحدي النزوح وأزمة الإيجارات
استقبلت عطبرة أعداداً كبيرة من النازحين بسبب الحرب، كيف أثر ذلك على العقارات؟ وما هي معالجاتكم؟
​ عطبرة كانت وما زالت “أُمّاً” لكل السودانيين. نعم، الضغط زاد من أسعار الأراضي والإيجارات بسبب قاعدة العرض والطلب. الإيجارات ارتفعت لقوة الحركة التجارية والاقتصادية حالياً. أما بخصوص النازحين، فقد وضعت وزارة البنية التحتية معالجات وقائية عاجلة، وهناك خطط لدراسة أوضاعهم بشكل نهائي مع تمنياتنا بعودتهم لديارهم بسلام.
​تطوير القرى وحقيقة “السماسرة” والميادين
ماذا عن القرى التي تداخلت مع المدينة مثل “خليوة”؟ ومن يحدد سعر الأرض.. أنتم أم السماسرة؟
​: بالنسبة لـ “خليوة”، سنقوم بتنظيمها وتوزيع الأراضي لرفعها من الدرجة الرابعة إلى الثالثة تحت مسمى (الخليوة القديمة الجديدة) مع فتح شوارع رسمية. أما عن الأسعار، فالسوق قد يتحرك لكن اللجنة الفنية (أراضي، مساحة، أمن اقتصادي، مالية) هي من تضع الأسعار الرسمية وتعتمدها وزارة المالية، والأراضي المتميزة تُطرح في مزاد علني لضمان الشفافية.
​ كلمة أخيرة حول ما يثار عن التعدي على الميادين العامة؟
​ نؤكد وبشكل قاطع: لا يوجد تخطيط لأي ميدان عام منذ 15 عاماً. الميادين خط أحمر، ولا تُعدل إلا بقرار من مجلس الوزراء وفي حالات استثنائية جداً (مثل بناء مسجد أو مدرسة) لخدمة المجتمع. مكتبنا مفتوح، وكتابنا مفتوح، وهدفنا الأول والأخير هو رضا مواطن عطبرة وتقديم خدمة متطورة تليق بعراقة هذه المدينة.
​خاتمة الحوار:
بين طموحات الرقمنة وواقع التوسع العمراني، يبدو أن مكتب أراضي عطبرة يسابق الزمن لتحويل التحديات إلى فرص، واضعاً “حق المواطن” كبوصلة وحيدة في خارطة الطريق نحو “عطبرة 2027”. كل الشكر لأسرة مكتب الأراضي على هذه الشفافية.